
لا يحدث أن يهزّ فيديو واحد قطاعًا كاملًا إلا عندما تكون الأرض أصلًا مهيأة للاهتزاز. والتسجيل الذي خرج إلى العلن مؤخرًا، كاشفًا مداولات داخلية للجنة يفترض أنها حارسة لأخلاقيات المهنة، لم يخلق الأزمة… بل أخرجها من الظل إلى الضوء. فالصدمة التي رافقت انتشار الفيديو ليست صدمة من “المحتوى”، بقدر ما هي صدمة من الطريقة: طريقة تفكير، طريقة تدبير، وطريقة تعامل مع الصحافة باعتبارها خصمًا لا شريكًا.
هذا التسريب ليس مجرد حادث عابر في زمن المنصات، بل هو مرآة تعكس ما تراكم داخل القطاع من هشاشة، وما ترسّخ من انعدام الثقة بين الصحافيين والمؤسسات التي يفترض أن تحميهم. وإذا كان البعض قد ركّز على “من سرّب؟” و“لماذا الآن؟”، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: كيف وصلت مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا للنزاهة إلى هذا المستوى من النقاشات الداخلية؟
إن ما كشفه الفيديو لا يتعلق بأشخاص، بل بثقافة. ثقافة ترى في الصحافي “مشكلة”، وفي النقد “إزعاجًا”، وفي الاستقلالية “خطرًا”. ثقافة تُفضّل الانطباع على القانون، والموقف الشخصي على المعايير المهنية.
ولذلك، فإن التعامل مع هذا التسريب بمنطق “الفضيحة” فقط هو تبسيط خطير. القضية أعمق: إنها اختبار لجدّية الإصلاح في قطاع يحتاج إلى إعادة بناء الثقة قبل أي شيء آخر. فلا تنظيم ذاتي يمكن أن ينجح إذا كان داخله ما يناقض روحه، ولا لجنة يمكن أن تحمي أخلاقيات المهنة إذا كانت ممارساتها الداخلية تفتقر إلى الأخلاق المهنية نفسها.
اليوم، أمام المغرب فرصة لا ينبغي أن تضيع: فرصة لتحويل هذا التسريب من “حادث محرج” إلى منعطف إصلاحي. فرصة لإعادة طرح الأسئلة التي تم تأجيلها طويلًا: من يحاسب من؟ من يراقب من؟ ومن يضمن أن المؤسسات التي تحاسب الصحافيين لا تحتاج هي نفسها إلى محاسبة؟
إن مستقبل الصحافة في المغرب لن يُبنى بالبلاغات، ولا بالردود الانفعالية، بل ببناء مؤسسات قوية، شفافة، تحترم القانون، وتستمد شرعيتها من ثقة المهنيين قبل ثقة الجمهور.
والتسريب، مهما كانت خلفياته، وضع الجميع أمام الحقيقة: لا إصلاح بلا شفافية، ولا شفافية بلا مساءلة، ولا مساءلة بلا ستقلالية حقيقية.
هذه هي البداية… أما النهاية فستحددها طريقة تعامل المؤسسات مع ما كشفه هذا الفيديو.